يحذر الدكتور نيل كويليام من أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية عميقة، وقد تقضي عملياً على أي أمل بقيام دولة فلسطينية موحدة. يرى الكاتب أن انعقاد الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام» في واشنطن يعيد غزة إلى صدارة الاهتمام الدولي، لكنه يضع الدول العربية والأوروبية أمام اختبار حاسم: إما مراجعة هذا الإطار والضغط لتعديله، أو الانزلاق إلى دعم مسار يعيد تشكيل فلسطين وفق رؤية اليمين الإسرائيلي.


توضح تشاتام هاوس أن الحكومات العربية والأوروبية، رغم سعيها للحفاظ على وقف إطلاق النار والتعامل البراغماتي مع ترامب، تخاطر بتأييد عملية سياسية تغلق نهائياً طريق الدولة الفلسطينية، وتحوّل القضية الفلسطينية إلى ما يشبه «الحلم المؤجل» الذي يخدم مشاريع الضم والتفتيت.


تكرار أخطاء أوسلو في ثوب جديد


يعود الكاتب إلى اتفاقيات أوسلو عام 1993، التي روّج لها حينها باعتبارها خطوة تاريخية نحو الدولة الفلسطينية، لكنه يبيّن كيف أدت عملياً إلى نظام حكم ذاتي محدود، أجّل القضايا الجوهرية وترك إسرائيل مسيطرة على الحدود والأمن والأرض. كما عمّقت أوسلو الانقسام الفلسطيني عبر تكريس بنية إدارية مجزأة بين الضفة الغربية وغزة.


ينبه كويليام إلى أن «الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة» التي يطرحها ترامب، وتحظى بتأييد قرار مجلس الأمن رقم 2803، تكرر المنطق ذاته. إذ تضع غزة تحت منظومة حكم خارجي متعددة الطبقات، مع مشاركة فلسطينية محدودة التأثير. تتركز السلطة في «مجلس السلام» برئاسة ترامب نفسه، بينما تمارس «الهيئة التنفيذية لغزة» صلاحيات الإدارة من دون أي تمثيل فلسطيني أو إسرائيلي، وتتولى «قوة الاستقرار الدولية» متعددة الجنسيات الملف الأمني.


تنشئ الخطة كذلك لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة غزة، لكن يخضع تشكيلها لتدقيق إسرائيلي وإشراف أميركي، ما يجعلها هيئة مفروضة من الخارج تفتقر إلى سلطة حقيقية، وتفصل الفلسطينيين عن تقرير مصيرهم.


غزة معزولة.. والدولة مؤجلة


يحذر الكاتب من أن التركيز الضيق لقرار مجلس الأمن على غزة يهدد بقطع ما تبقى من الروابط السياسية والاقتصادية بينها وبين الضفة الغربية. يعامل القرار فكرة الدولة الفلسطينية بوصفها احتمالاً مشروطاً، لا التزاماً دولياً، ويربطها بتحقيق أهداف صعبة مثل نزع سلاح غزة بالكامل، وتحقيق معايير أمنية صارمة، وبناء هياكل حكم جديدة تحت إشراف دولي، إلى جانب إصلاح السلطة الفلسطينية.


يتجاهل القرار الإشارات الواضحة إلى قرارات أممية أساسية مثل 242 و338، ويضفي شرعية مؤسسية على الفصل الكامل بين غزة والضفة حتى نهاية ولاية مجلس السلام في ديسمبر 2027. عند تلك النقطة، يرى كويليام أن الوقت يكون قد نفد فعلياً أمام أي مشروع دولة فلسطينية.


غزتان وخطر الضم في الضفة الغربية


 تعرض خطة «غزة الجديدة»، التي كشف عنها جاريد كوشنر، القطاع باعتباره مشروع إعادة تطوير عقاري، وتقسمه إلى مناطق حديثة تشبه مدناً خليجية، من دون اعتبار حقيقي لغزة بوصفها جزءاً من كيان فلسطيني. تضع الخطة التنمية الاقتصادية في الصدارة، متجاهلة الحقوق السياسية، رغم فشل المقاربات الاقتصادية البحتة في السابق

.
في الواقع العملي، يتوقع الكاتب أن تبدأ إعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مثل «رفح الجديدة»، بينما تبقى بقية غزة مهمشة وغير مستقرة. يؤدي هذا المسار إلى إنشاء منطقة «منزوعة السياسة» وخاضعة للرقابة، مقابل مناطق أخرى فقيرة ومعزولة، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من التهجير والسخط الإقليمي.


بالتوازي، تتسارع خطوات الضم في الضفة الغربية. يقرّ الكنيست وإسرائيل إجراءات توسّع السيطرة والاستيطان، ويعلن وزراء إسرائيليون صراحة السعي لدفن فكرة الدولة الفلسطينية. ورغم إدانات دولية متكررة، يعتقد الكاتب أن إسرائيل تمضي قدماً ما لم تواجه ثمناً سياسياً حقيقياً، خاصة في ظل سوابق اعتراف ترامب بضم الجولان.


ما ينبغي فعله


يخلص كويليام إلى أن قرار مجلس الأمن 2803 يمنح ترامب نفوذاً غير مسبوق، ويضع مستقبل فلسطين في يده. يدعو القيادات الفلسطينية إلى تجاوز الانقسامات والتحرك سريعاً لإصلاح مؤسساتها وإجراء انتخابات. كما يحث الدول العربية الرئيسية على تنسيق موقف ضاغط على واشنطن، والتأكيد أن تجاهل الدولة الفلسطينية يهدد استقرار المنطقة بأسرها.


أما أوروبا، فيطالبها بالانتقال من البيانات الرمزية إلى خطوات عملية، تشمل دعم إصلاح فلسطيني حقيقي، وربط إدارة غزة بالضفة الغربية، واستخدام أدوات ضغط اقتصادية وسياسية لردع ضم الضفة. ويحذر في الختام من أن الفشل في اتخاذ موقف حازم يجعل اختفاء الدولة الفلسطينية مسألة وقت لا أكثر.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/02/risks-trumps-peace-plan-two-gazas-and-annexed-west-bank